الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
32
مختصر الامثل
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ( 9 ) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ( 14 ) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 ) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 16 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) قصة قوم نوح عبرة وعظة : جرت السنّة القرآنية في كثير من الموارد أنّ اللَّه سبحانه يستعرض حالة الأقوام السابقة والعاقبة المؤلمة التي انتهوا إليها إنذاراً وتوضيحاً ( للكفار والمجرمين ) بأنّ الاستمرار في طريق الضلال سوف لن يؤدي بهم إلّاإلى المصير البائس الذي لاقته الأقوام السابقة . وفي هذه السورة ، إكمالًا للبحث الذي تناولته الآيات السابقة ، في إثارات وإشارات مختصرة ومعبّرة حول تاريخ خمسة من الأقوام المعاندة ابتداءً من قوم نوح كما في قوله تعالى : « كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ » . فمضافاً إلى تكذيبه وإتّهامه بالجنون صبّوا عليه ألوان الأذى والتعذيب ومنعوه من الاستمرار في أداء رسالته . فتارةً يقولون له مهدّدين ومنذرين : « قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ » « 1 » . وتارةً أخرى يضغطون رقبته بأيديهم حتى يفقد وعيه ، ولكنّه ما أن يفيق إلى وعيه حتى يقول : « اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون » « 2 » . والتعبير ب « عبدنا » إشارة إلى أنّ هؤلاء القوم المعاندين والمغرورين في الواقع يبارزون اللَّه تعالى لا مجرّد شخص « نوح » . ثم يضيف تعالى أنّ نوح عندما يئس من هداية قومه تماماً : « فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ » . « انتصر » : طلب العون ، وهنا جاءت بمعنى طلب الانتقام على أساس العدل والحكمة .
--> ( 1 ) سورة الشعراء / 116 . ( 2 ) الدرّ المنثور 3 / 95 ؛ تفسير القرطبي 8 / 273 ؛ وجامع البيان 29 / 126 .